العيني

39

عمدة القاري

عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( المصورون يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم : أحيوا ما خلقتم ) ، ورواه مسلم أيضا وغيره ، وعن أبي هريرة أخرجه النسائي قال : أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عفان حدثنا همام عن قتادة عن عكرمة عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صور صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ ) . وأخرجه الطحاوي أيضا . ذكر معناه : قوله : ( إذ أتاه رجل ) ، كلمة : إذ ، للمفاجأة ، وقد ذكرنا غير مرة أن : إذ وإذا ، يضافان إلى جملة ، فقوله : ( أتاه رجل ) جملة فعلية ، وقوله : ( فقال ابن عباس ) ، جواب : إذ . قوله : ( إنما معيشتي من صنعة يدي ) يعني : ما معيشتي إلاَّ من عمل يدي . قوله : ( حتى ينفخ فيها ) ، أي : إلى أن ينفخ في الصورة . قوله : ( وليس بنافخ ) أي : لا يمكن له النفخ قط ، فيعذب أبدا . قوله : ( فربا ) أي : فربا الرجل أي أصابه الربو ، وهو مرض يحصل للرجل يعلو نفسه ويضيق صدره ، وقال ابن قرقول : أي ذكر وامتلأ خوفا . وعن صاحب ( العين ) : ربا الرجل أصابه نفس في جوفه ، وهو الربو والربوة والربوة ، وهو نهج ونفس متواتر ، وقال ابن التين : معناه انتفخ كأنه خجل من ذلك . قوله : ( ويحك ) ، كلمة ترحم ، كما أن : ويلك ، كلمة عذاب . قوله : ( كل شيء ) ، بالجر بدل الكل عن البعض ، وهذا جائز عند بعض النحاة ، وهو قسم خامس من الإبدال كقول الشاعر : * رحم الله أعظما دفنوهابسجستان طلحة الطلحات * ويروى : نضر الله أعظما ، ويجوز أن يكون فيه مضاف محذوف ، والتقدير : عليك ، بمثل الشجر ، أو يكون واو العطف فيه مقدرة ، تقديره : وكل شيء ، كما في : التحيات المباركات الصلوات الطيبات ، فإن معناه : والصلوات ، وبواو العطف جاء في رواية أبي نعيم من طريق خودة عن عوف : فعليك بهذا الشجر وكل شيء ليس فيه روح ، وفي رواية مسلم والإسماعيلي بلفظ : فاصنع الشجر ومالا نفس له . وقال الطيبي : هو بيان للشجر ، لأنه لما منعه عن التصوير وأرشده إلى جنس الشجر ، رأى أنه غير وافٍ بالمقصود ، فأوضحه به ، ويجوز النصب على التفسير . ذكر ما يستفاد منه فيه : أن تصوير ذي روح حرام ، وأن مصوره توعد بعذاب شديد ، وهو قوله : فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها ، وفي رواية لمسلم : كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا ، فيعذبه في جهنم . وروى الطحاوي من حديث أبي جحيفة : لعن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، المصورين . وعن عمير عن أسامة بن زيد يرفعه : قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون . وقال المهلب : إنما كره هذا من أجل أن الصورة التي فيها الروح كانت تعبد في الجاهلية ، فكرهت كل صورة ، وإن كانت لا فيء لها ولا جسم قطعا للذريعة . وقال القرطبي في حديث مسلم : أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون ، وهذا يقتضي أن لا يكون في النار أحد يزيد عذابه على عذاب المصورين ، وهذا يعارضه قوله تعالى : * ( ادخلوا آل فرعون أشد العذاب ) * ( غافر : 64 ) . وقوله ، صلى الله عليه وسلم : ( أشد الناس عذابا يوم القيامة إمام ضلالة ) . وقوله : ( أشد الناس عذابا عالم لم ينفعه الله بعلمه ) ، وأشباه ذلك ، ووجه التوفيق : أن الناس الذين أضيف إليهم : أشد ، لا يراد بهم كل نوع الناس ، بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعد عليه بالعذاب ، ففرعون أشد المدعين للإلهية عذابا ، ومن يقتدي به في ضلالة كفر أشد ممن يقتدي به في ضلالة بدعة ، ومن صور صورا ذات أرواح أشد عذابا ممن يصور ما ليس بذي روح ، فيجوز أن يعني بالمصورين الذين يصورون الأصنام للعبادة ، كما كانت الجاهلية تفعل ، وكما يفعل النصارى ، فإن عذابهم يكون أشد ممن يصورها لا للعبادة . انتهى . ولقائل أن يقول : أشد الناس عذابا بالنسبة إلى هذه الأمة لا إلى غيرها من الكفار ، فإن صورها لتعبد أو لمضاهاة خلق الله تعالى فهو كافر قبيح الكفر ، فلذلك زيد في عذابه . قلت : قول القرطبي : ومن صور صورا ذات أرواح أشد عذابا ممن يصور ما ليس بذي روح ، فيه نظر لا يخفى ، وفيه إباحة تصوير ما لا روح له كالشجر ونحوه ، وهو قول جمهور الفقهاء وأهل الحديث ، فإنهم استدلوا على ذلك بقول ابن عباس : فعليك بهذا الشجر . . . إلى آخره ، فإن ابن عباس استنبط قوله من قوله ، صلى الله عليه وسلم ( فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها ) . أي : الروح ، فدل هذا على أن المصور إنما يستحق هذا العذاب لكونه قد باشر تصوير حيوان مختص بالله تعالى ، وتصوير جماد ليس له في معنى ذلك ، فلا بأس به . وذهب جماعة